اسماعيل بن محمد القونوي
505
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
في التوراة ولا في الإنجيل ولم يخير بينهما فمن أين يعلم اليهود والنصارى ذلك مع أنه تعالى حكى عنهم اختلافا في الدار الآخرة « 1 » وأيضا أنه بأي طريق يعلم أن المعاد الجسماني لم يذكر فيهما ولم يذكر بينهما فالبيان الشافي مطلوب من موضعه ولا اعتماد فيهما على ما في أيدي اليهود والنصارى للتحريف والتغيير ومثل هذا شبهة تورث فتنة وقد قال تعالى : وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ [ الأعراف : 145 ] الآية أي كل من المصالح الدينية والدنيوية وأعظم المصالح الدينية بيان الآخرة وأحوالها . قوله : ( وفي تقديم الصلة ) يعني بالآخرة على عامله وهو يوقنون ( وبناء يوقنون على هم تعريض عين عداهم من أهل الكتاب ) أي جعله جبرا له وحاصله وتقديم المسند إليه وهو هم على الخبر الفعلي فهنا تقديمان « 2 » يفيد أن الحصر بمعونة المقام وفحوى الكلام الأول يفيد أن إيقانهم مقصور على الاتصاف بكونه للآخرة لا يتعداها إلى الاتصاف بكونها لغيرها وهذا مقتضى القاعدة فيرد على ظاهره أنهم يؤمنون بالآخرة ولا يؤمنون بغيرها وهذا غير صحيح فضلا عن التعريض فأشار المصنف إلى دفعه بأن المراد بغير الآخرة المنفي عنهم إيمانهم بالآخرة التي يزعمها أهل الكتاب فمن قال أي إيقانهم مقصور على حقيقة الآخرة لا يتعداها إلى ما هو على خلاف حقيقتها أشار إلى هذا الدفع فالحصر إضافي لا حقيقي فلا إشكال والقرينة عليه الإخبار أولا أنهم يؤمنون بما أنزل الآية فلا جرم أن المعنى ما ذكر فحينئذ يكون في ذلك تعريض بأن ما عليه مقابلوهم وأضدادهم ليس من حقيقة الآخرة في شيء وحاصل المعنى أنهم يوقنون بالآخرة على ما هي عليه لا بغيرها مثل من عداهم من أهل الكتاب والتقديم الثاني يفيد أن الإيقان مقصور عليهم لا يتعداهم إلى غيرهم من أهل الكتاب فالقصر أيضا إضافي بدلالة أن من عداهم من غير أهل الكتاب إيقانهم بالآخرة وغيرها مبين في الموصول الأول إذ الإيمان بالغيب شامل للإيمان بالآخرة فلا إشكال أصلا وقد نبهنا عليه فيما مر فقوله ( وبأن اعتقادهم في أمر الآخرة غير مطابق ) إشارة إلى خلاصة القصر الأول وقوله ( ولا صادر عن إيقان ) إشارة إلى حاصل القصر الثاني قوله : وفي تقديم الصلة وبناء يُوقِنُونَ على هُمْ تعريض لمن عداهم الخ حاصله أن هنا حصرين الحصر الأول مستفاد من تقديم الصلة أعني بالآخرة على متعلقه الذي هو يوقنون والثاني من تقديم الفاعل المعنوي أعني هم على الفعل وكل من هذين الحصرين أفاد من معنى التعريض غير ما أفاده الحصر الآخر فالحصر الأول تعريض لهم بأن اعتقادهم بالآخرة غير مطابق والثاني تعريض بأن اعتقادهم ذلك ليس صادرا عن إيقان فقوله غير مطابق ولا صادر عن إيقان نشر على ترتيب اللف .
--> ( 1 ) لا سيما اليهود في زمان موسى عليه السلام فإن معتقدهم فعل هو مغاير لمعتقدنا مع أن العلماء صرحوا كافة بأنه لا اختلاف في الاعتقاديات في جميع الشرائع . ( 2 ) ومثل هذا وهو قوله تعالى : وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ مذكور في أوائل سورة لقمان واعتبار القصرين هناك مشكل فلا تفعل .